عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
40
شذرات الذهب في أخبار من ذهب
صبيحة قالت في الوداع قتلتني * وقتلني بما قالت بتلك المحافل ثم قال للخادم احتفظ بها وأصلح لها ما تحتاج إليه من المقاصير والجواري إلى وقت رجوعي فلولا ما قال الأخطل : قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم * دون النساء ولو باتت بأطهار لأقمت قال فلما دخلت الجارية إلى منزلها وخرج المأمون اعتلت علة شديدة وورد نعي المأمون رحمه الله تعالى فلما بلغها ذلك تنفست الصعداء وقالت وهي تجود بنفسها : إن الزمان سقانا من مرارته * بعد الحلاوة كاسات فأروانا أبدى لنا تارة منه فاضحكنا * ثم انثنى تارة أخرى فأبكانا ثم شهقت شهقة واحدة فماتت اه وحكي أن المأمون أتى بجارية فائقة الجمال بارعة الكمال وكان في رجلها عرج فلما نظر إليها المأمون أعجبه جمالها وساءه عرجها فقال للنخاس خذ بيد جاريتك فلولا عرجها لاشتريتها فقالت يا أمير المؤمنين إني وقت حاجتك إلى تكون رجلي بحيث لا تراها فأعجبه جوابها وأمر بشرائها وأن يعطي مولاها ما احتكم وحظيت عنده وكان له حلم شديد كان يقول والله إني لأخشى أن لا أثاب على الحلم والعفو لما أرى فيهما من اللذة ولو علم الناس ذلك لتقربوا إلي بالجناية وكان حسن المحاضرة لطيف المسامرة فمن ذلك ما ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني قال لما تواتر النقل عند المأمون عن يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن بن سمعان التميمي الأسدي المروزي القاضي بأنه يلوط أراد امتحانه استدعاه وأوصى مملوكا له بأن يقف عندهما وحده وإذا خرج المأمون يقف المملوك عند يحيى ولا ينصرف وكان المملوك في غاية الحسن فلما اجتمعا في المجلس وتحادثا ساعة قام المأمون كأنه يقضي حاجة فوقف وتجسس المأمون عليهما وكان أمره أن يعبث بيحيى فلما عبث به المملوك سمعه المأمون وهو يقول لولا أنتم لكنا مؤمنين فدخل المأمون وهو ينشد : وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهرا * فأعقبنا بعد الرجاء قنوط